بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، ١٤ يناير ٢٠١١

هيئة الإسكان .... ووقع المحظور

قضية أزمة الإسكان بلا منازع هي أم القضايا في الوقت الراهن. وتشهد صفحات الجرائد يوميا صولات وجولات من المقالات والتعليقات والأخبار المتعلقة بهذا الموضوع ، مع ما تحمله من تضاربات في الآراء والمواقف . ولكن أكثر نقاط التلاقي بين كافة المواقف هي في حجم التعويل على هيئة الإسكان ، والأمل في أن تلعب هذه الهيئة الناشئة دورا فاعلا في حل الأزمة . وكان آخر ما قرأت مقالا للأستاذ طلعت حافظ بإحدى الصحف المحلية ، قدم فيه تحليلا وافيا لقضية الإسكان ، وأهمية الدور المنوط بالهيئة في هذا الإطار . ولكن ذات الجريدة حملت بين طياتها كذلك خبرا عن اجتماع عقده مجلس الهيئة لمناقشة خططها ، فيما يعبر في وجهة نظري تعبيرا مطلقا عن خطأ التوجه الذي تتبعه الهيئة في التعاطي مع هذه القضية . والحقيقة أن حجم الآمال المعقودة على الهيئة كبير جدا بحجم كبر المشكلة ذاتها ، فالكل يرى أن الهيئة أتت نتاجا لدراسة وفكر منهجي منظم ، وبأنها سترسم خطاها اتساقا مع التوجهات التي رسمت خط عمل سابقاتها من الهيئات ، مثل الهيئة العامة للسياحة والآثار ، وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات ، وهيئة سوق المال ، والهيئة العامة للاستثمار ، وغيرها من الهيئات الوليدة ، وبأنها ستسعى لتأكيد توجه الدولة في تفعيل الدور التنظيمي والإشرافي والرقابي لأجهزتها ، والبعد عن الغوص في أدوار التنفيذ والبناء والتشغيل ، إلى أن يأتي يوم نرى فيه كثيرا من أنشطة الدولة وقد تبعت نفس الخطى وذات النهج ، بما يؤدي إلى تفعيل حقيقي لدور القطاع الخاص في التنمية الوطنية . إلا أنني لم أحمل هذا القدر من التفاؤل بالرغم من إيماني بتوجه الدولة المشار إليه ، كون هذا التوجه يعكس حاجة حقيقية لتفعيل جهود التنمية ، وإيمانا من الدولة وقائدها بفاعلية هذا التوجه ، إلا فيما يتعلق بهيئة الإسكان الوليدة ، وذلك ببساطة لأنها لم تكن وليدة ، بل هي في الحقيقة نشأت هرمة محملة بهموم أجهزة أخرى من أجهزة الدولة ، وبأجنداتها التنفيذية لمشاريع تم تصنيفها ضمن مشاريع الإسكان ، وبطواقمها الوظيفية المترهلة المنقولة من تلك الأجهزة . والحقيقة أن جذوة التفاؤل خبت يوم أن اطلعت على مضمون اللقاء الصحفي مع سعادة محافظ هيئة الإسكان في إحدى الصحف المحلية ، إذ أنني وجدت في حديثه تأكيدا لكل ما خشيت وتوقعت أن يحدث ، ووقع بذلك المحظور الذي دعوت الله ألا يقع . إن ذلك اللقاء أكد وبشكل منقطع النظير اختلاف توجه هيئة الإسكان عن توجهات الهيئات الأخرى التي سبقتها ، فأغرقت نفسها في برامج التنفيذ للمشاريع المنقولة من أجهزة الدولة الأخرى ، وحصرت هم الإسكان في عدد من المشاريع التي مهما كبرت فهي تضمحل أمام حاجة الوطن من حلول الإسكان ، وهي الحلول التي تعجز عنها أي دولة مهما قدر الله لها من إمكانات . إن مهمة هيئة الإسكان تتجاوز بمراحل تنفيذ عدد من المشروعات التي لا يمكن تصنيفها إلا في الإطار الخيري ، فمهمة الهيئة في الأساس تتمثل في أداء دور تنظيمي ورقابي وإشرافي فاعل يضع نصب عينيه تنمية الاستثمار في قطاع الإسكان في المملكة ، وذلك عبر توفير المعلومات اللازمة لوضع الخطط والبرامج في قطاع الإسكان ، وتذليل العقبات أمام المستثمرين في القطاع ، والعمل على حل المشكلات التي تعترض طريق تنمية هذا القطاع ، بما في ذلك ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء ، ومشاكل الرهن والتمويل العقاري ، وقصور أداء بعض الأجهزة الرسمية التي تضع العقبات أمام نمو هذا القطاع عبر ممارستها آليات متخبطة وعشوائية ، فتقوم على سبيل المثال ، وعلى غرار منهج الشراكات الذي تبنته الهيئة العامة للسياحة والآثار ، بالتعاطي مع دور سياسات وزارة العمل في تعطيل التنمية في قطاع الإسكان على وجه الخصوص والتنمية برمتها على وجه العموم ، والتعاطي مع قصور دور القضاء في توفير المناخ القانوني الآمن لدعم الاستثمارات ، والتعاطي مع المؤسسات المالية والنقدية بشأن تفعيل دورها القاصر في دعم هذا القطاع . عندما تطرق سعادة المحافظ لصندوق التنمية العقاري في لقائه الصحفي كنت آمل أن يبذر بذرة الأمل لقيام الهيئة بالعمل على تفعيل دور الصندوق وتنمية دوره في دعم قطاع الإسكان عبر توجيه التمويل لمشروعات التطوير الشامل عوضا عن تكريس ممارسات التطوير الفردي للوحدات السكنية بقروض زهيدة لا تفي ولو بجزء يسير من تكاليف البناء ، إلا أنني صدمت بالمديح الذي صبه سعادة المحافظ لدور الهيئة الراهن ، وتكرار الحديث عن دور الصندوق في الماضي في تحقيق التنمية السكنية ، دون إبداء أي نية للعب دور للهيئة في تنمية هذا الدور وتطويره لخدمة الاحتياجات والظروف المستجدة . إن واقع قطاع الإسكان في المملكة يتطلب من سعادة المحافظ مراجعة حقيقية وجادة للتوجه الذي عبر عنه في ذلك اللقاء الصحفي . فالمشكلة تتجاوز بضعة آلاف من المساكن تقوم الهئية ببنائها وفق أنظمة المشتريات الحكومية التقليدية مع كل ما يشوبها من إشكالات . سوف تواجه هذه المشاريع تبعات القصور الفني والمالي للمقاولين الذين سترسى عليهم هذه المشاريع عبر آليات الترسية على أقل الأسعار ، وسنسمع عن عدد من هذه المشاريع وقد واجهت التعثر والسحب من المقاولين ، وسنجد في النهاية عددا من المساكن التي بنتها الهيئة بعيدا عن تفعيل الدور التنموي للسكان ، مع كل ما في هذا الأمر من ترسيخ الاتكالية على الدولة في توفير متطلبات الحياة . أخشى ما أخشاه أن تبقى هذه المساكن خاوية بسبب عدم قبول السكان الانتقال إليها بسبب سوء جودة التنفيذ أو عدم ملاءمتها لمتطلباتهم الحياتية ، وهو ما حصل بالفعل في عدد من مشاريع الإسكان التنموي التي تم تفيذها وتسليمها في الآونة الأخيرة . إن واقع قطاع الإسكان يتطلب من الهيئة رفع سقف التعاطي مع المشكلة عبر السعي إلى حل المشاكل وتذليل العقبات عوضا عن توفير حلول وقتية لا تعدو كونها مسكنات للألم . ولأنني أشك بصراحة في أن يجد هذا الطرح صدى يذكر لدى الهيئة ، لانشغالها في تنفيذ خططها لتأكيد وإبراز دورها في حيز الوجود ، فإنني أجدد الدعوة إلى تأسيس هيئة عامة للتطوير العمراني والعقاري ، لتقوم بهذا الدور على صعيد التنمية العمرانية برمتها ، بما فيها قطاع الإسكان .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق