بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

الرهن العقاري بين المخاطر والمنافع


عرضت قناة العربية مؤخرا حلقة نقاش حول أنظمة الرهن والتمويل العقاري ، شارك فيها عدد من الخبراء والعارفين بشئون هذه الأنظمة ، الذين أضفو بحديثهم كثيرا من الإضاءات حول هذه الأنظمة وانعكاساتها على قضية الإسكان في المملكة . ما أود أن أعرضه في هذا المقال هو مجموعة من الرؤى والملاحظات التي تندرج في إطار التعليق على ما دار في تلك الحلقة ، وما يتغلق بهذه القضية من تفاصيل أرى أنه من الضروري أن تكون في حسبان القائمين على صياغة تلك الأنظمة ووضعها موضع التنفيذ .
قدم الشيخ يوسف الفراج في تلك الحلقة شرحا لآليات التمويل العقاري التي تشمل التمويل التأجيري وتمويل المرابحة وغيرها من النماذج . وذكر الشيخ فيما ذكره أن صيغة الإجارة ، أو التمويل التأجيري ، تمثل النسبة العظمى من تطبيقات التمويل التي تتعامل بها البنوك وشركات التمويل في الوقت الراهن . وهي الصيغة التي لا تأخذ بإجراءات الرهن ، إذ أنها تبنى على تملك جهة التمويل لعين العقار موضوع التمويل . وما وددت أن أعلق عليه في هذا الجانب ، أن صيغة التمويل اتأجيري أو الإجارة لا تمثل الصيغة الملائمة لتوظيف آلية مناسبة لتدوير رؤوس أموال شركات التمويل العقاري ، إذ أن الأساس في دورة التمويل العقاري هو تحويل الرهون العقارية إلى أوراق مالية عبر عمليات التوريق التي يتم بيعها وتدويرها في السوق الثانوي لإعادة تدوير رؤوس أموال شركات التمويل العقاري ، وهو ما لا يتم في حالة تملك شركات التمويل العقاري للمساكن التي يتم تمويل شرائها وفق آليات التأجير التمويلي . وفي النتيجة ، فإن صيغة الرهن العقاري وآليات المرابحة هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يتم من خلالها تدوير رؤوس أموال شركات التمويل العقاري ، ويكون بذلك نظام الرهن العقاري المحرك الرئيس للتوسع في عمليات التمويل العقاري ، وهو النظام الذي يحقق الميزة الأهم في تقليل المخاطر على جهات التمويل العقاري ، عبر نقلها إلى جهات التمويل في السوق الثانوي ، التي تقوم بشراء تلك الرهون ، وهو ما يؤدي إلى تقليل المخاطر على جهات التمويل ، وبالتالي إلى تقليل تكاليف ونسب الفائدة على التمويل .
الملاحظة الثانية هي أن مجمل منظومة الأنظمة الخمسة التي تناولها البحث ، والتي يجري العمل على إتمام صياغتها وإصدارها بين مجلس الشورى وهيئة الخبراء والجهات الأخرى ذات العلاقة ، هذه الأنظمة كلها لا تتعامل مع قضية ارتفاع أسعار الأراضي التي يعاني منها سوق الإسكان في الوقت الراهن . هذه القضية تقع في صلب أزمة الإسكان ، ويجب أن تقوم الجهات المعنية بالتعامل معها بما يحقق الفعالية المأمولة من تلك الأنظمة الجاري العمل عليها ، لتحقق التأثير المأمول في حل أزمة الإسكان في المملكة . فبدون معالجة قضية أسعار الأراضي ستظل الأزمة تراوح مكانها ، ولن يكون لهذه الأنظمة أي تأثير سوى ارتفاع أسعار العقارات السكنية ، وهو الإنعكاس المباشر الناجم عن التوسع في آليات وحلول التمويل في ظل قصور العرض الملائم لنوعية الطلب المقنن من قبل شركات التمويل العقاري . والمطلوب في هذا الجانب ، ولكي تحقق هذه الأنظمة الفعالية المأمولة ، أن يتم العمل على صياغة مجموعة من الأنظمة والإجراءات التي تعالج مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي السكنية على وجه الخصوص ، بما في ذلك فرض الزكاة الشرعية والرسوم الإدارية على الأراضي الفضاء التي تمثل حوالي 30% من مساحة مدينة رئيسية مثل الرياض ، وبشكل خاص تلك الأراضي التي تتمتع بالخدمات التي تم تزويدها من قبل الدولة ، دون أن يتم تطويرها وتداولها لتضيف إلى مخزون الأراضي في المدن . هذا المقترح سبق أن عرضه الكثير من الكتاب والخبراء والمحللين ، ولا أدري ما هو السبب الحقيقي الذي يحول دون وضعه موضع الدراسة الجادة . وكل ما أرجوه ، ألا يكون السبب وراء هذا الواقع هو تعارض المصالح بين هذا المطلب ومصالح المتنفذين من أصخاب العقارات .
الجانب الثالث هو جانب المعرفة الفنية في تطوير المساكن . فالملاحظ أن هذا الجانب هو جانب مغفل من كافة الجهات التي تعمل على حل قضية الإسكان ، ولا زالت النظرة إلى آليات البناء والتطوير تتعاطى مع ذات النمط والآليات والاساليب التقليدية في بناء المساكن التي توقع الكثير من الهدر والتبذير والتضخيم في تكاليف البناء . إن العالم من حولنا يزخر بالكثير من آليات وأساليب وتقنيات البناء المتطورة التي تحقق الكثير من الوفر في تكاليف البناء ، وتنتج مساكن أكثر جودة وتأهيلا من المساكن التي يتم تداولها في سوق الإسكان في المملكة . وحتى شركات التطوير الإسكاني الكبرى ذات رؤوس الأموال المليارية لم تعكف حتى الآن على تطوير تلك الأساليب ، ولا زالت تتبع ذات الأساليب التقليدية التي تنتج مساكن متهالكة الجودة ومرتفعة التكلفة . المشكلة أن تلك الأساليب التي عفا عليها الزمن لم تعد فحسب منتجة لمساكن مكلفة ومتدنية الجودة ، ولكن هذا النوع من المساكن لا يمثل المطلب لشركات التمويل العقاري ، ولا تستطيع تلك الشركات ضمان قيمة هذا النوع من المساكن طيلة مدة التمويل التي تصل إلى 30 عاما . وفي النتيجة ، فإنه من الضروري تطوير آليات البحث والتطوير للخروج بنماذج حديثة من المساكن مرتفعة الجودة ومنخفضة التكلفة ، عبر توظيف آليات وتقنيات البناء الصناعية التي أنتجتها كثير من الدول المتقدمة في هذا المجال . والغريب أن صندوق التنمية العقاري ، الذي بلغ مجمل القروض التي منحها منذ تأسيسه ما يزيد عن 135 مليار ريال ، لم يخصص أي جزء من مصروفاته لهذا الجانب الحيوي الهام . فهل يمكن أن يعي الصندوق أهمية دوره في هذا المجال ؟ .
الجانب الأخطر في أنظمة الرهن العقاري ، والذي لا أعتقد أن تلك الأنظمة أخذته بعين الاعتبار ، هو إمكانية توظيف آليات الرهن العقاري لتسييل العقارات المملوكة للمواطنين ، عبر استخدام مساكنهم كضمانات مرهونة للحصول على القروض الشخصية ، التي يمكن أن يتم توجيهها إلى مصارف استهلاكية بحتة ، أو ربما إلى مصارف مضاربية بحتة في سوق الأسهم قد تعود على أصحابها بخسائر مالية تؤدي بهم وبأصولهم السكنية إلى الدمار . وما أرجوه ، أن يتم تضمين هذه الأنظمة ، أو لوائحها التنفيذية ، آليات عملية للحد من إمكانية هذا التوظيف السلبي لتلك الأنظمة ، حماية للمواطنين من إغراءات البنوك والربح السريع ، الذي لم يعد على الناس إلى بالويل والثبور في أزمة سوق الأسهم التي لا زلنا نرى آثارها السلبية حتى وقتنا الحاضر .
خاتمة القول ، هذه الأنظمة ضرورة ملحة لتفعيل حلول أزمة الإسكان ، وفي ذات الوقت ، فإن هذه الأنظمة يمكن أن تعود بالضرر الكبير على حياة الناس . وعليه ، فإنه من الضروري أن يتم تدعيم هذه الأنظمة بالعديد من إجراءات الحماية والتوعية لمنع آثارها السلبية على المواطنين ، لتؤدي بذلك دورها الإيجابي في معالجة قضية هي الأكدأ والأخطر في قضايا مجتمعنا السعودي المعاصر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق