بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

مواسم المصالح المعطلة


وانقضى شهر رمضان ، شهر الخير والبركة والإحسان . انقضى بعد أن صام فيه من صام ، وقام فيه من قام ، وعمل فيه من عمل . واستقبلنا بعده عيد الفطر المبارك ، فاختلطت مشاعر الحزن على فراق الشهر الكريم ، والفرح ببهجة العيد وأجوائه . وبانقضاء الشهر الكريم والعيد المبارك انقضى موسمان من مواسم عديدة في التقويم السنوي السعودي ، وها نحن نتحرى بعدهما مواسم الحج وعيد الأضحى المبارك والعام الهجري الجديد ، وعددا آخر من المواسم المتعلقة بإجازات المدارس وعطلة الربيع ومنتصف العام والعيد الوطني والإجازة الصيفية وغيرها الكثير . ومع أن هذه المواسم تمثل فرصة لكسر جمود العمل وتجديد النشاط وتوثيق العلاقات الأسرية والاجتماعية ، إلا أن هذه المواسم أصبحت تشكل عبئا كبيرا على حياة الناس ومعيشتهم واقتصادهم ، بالنظر إلى ما يصاحبها من تقاليد وعادات وممارسات هي في معظمها دخيلة على أسس الثقافة العربية والإسلامية . وأصبحت هذه المواسم بالتالي سببا في تعطيل المصالح والإضرار بها ، وتعطيل عجلة التنمية والاقتصاد الوطني . وسأعرض هنا بعضا من أوجه هذا التعطيل ، عسى أن يدفع هذا الطرح لمراجعة جادة لهذا النمط الذي نعيشه في هذه المواسم ، ويؤسس لدعوة جادة للعودة إلى روح الدين الإسلامي القويم الذي يدعو إلى العمل ، ويصنفه ضمن أسمى أشكال العبادات .
أول هذه الأوجه هو نمط العمل وساعات الدوام في شهر رمضان المبارك . فالمعروف أن ساعات العمل الرسمية تنخفض في هذا الشهر الكريم إلى خمس ساعات يوميا في القطاع الحكومي ، وست ساعات في القطاع الخاص . والمعروف أيضا أن يوم العمل الرسمي في هذا الشهر يبدأ في الساعة العاشرة في كل مؤسسات القطاع الحكومي ومعظم مؤسسات القطاع الخاص . والحقيقة ، أن هذا الأمر يوقع هدرا كبيرا وضررا فادحا على مستويات الإنتاجية في العمل ، التي يعلم كلنا ووفقا للكثير من الدراسات والإحصاءات الرسمية وغير الرسمية مدى تدنيها على مدار العام ، وتزداد انحدارا في هذا الشهر الكريم . هذا الواقع يحدث الكثير من الضرر والتعطيل لمصالح الناس ، خاصة إذا أضفنا إلى قصور ساعات العمل تلك النفسية العصبية التي تسم الموظفين ، والتي تتذرع بالصيام غطاء لها ، لتزيد من عمق معاناة المواطن في إنجاز مصالحه . والغريب ، أن هذه الحالة تحدث في هذا البلد الذي يعد قائد البلدان الإسلامية وإمامها ، ومع ذلك ، فإن أيا من تلك البلدان الإسلامية الأخرى لا يعمد إلى مثل هذا التعديل في مواقيت العمل في شهر مضان المبارك ، وتسير الحياة فيها وفيه على ما تسير عليه في كافة أشهر السنة ، مع أن بعضها يعيش ذات الظروف وحرارة الأجواء التي نعيشها في المملكة . قد يقول البعض أن هذا التعديل مطلب مهم لإتاحة الفرصة لأداء العبادات في شهر العبادات ، ولكن أليس العمل عبادة ، أليس قضاء مصالح الناس عبادة ، أليست التنمية عبادة ، ألم تزرع هذه العادة فينا الكسل وقلة الإنتاج وسوء الخلق وحدة المزاج . في الحقيقة ، لا أدري ما الداعي لمثل هذا التعديل ، ولا أدري متى ابتدأت هذه البدعة ولا من الذي ابتدعها . ولكنها بكل تأكيد دخيلة على ثقافة المسلمين . فهل من مراجعة لهذه البدعة التي أعدها بدعة غير حسنة تندرج في رأيي في ما نهى عنه ديننا الحنيف .
ثاني الأوجه هو في موضوع الإجازات وعطل الأعياد . إذ تمتد عطلة عيد الفطر المبارك ، ومثلها عطلة عيد الأضحى المبارك ، إلى حوالي الأسبوعين في القطاع الحكومي ، والأسبوع في القطاع الخاص . هذا الواقع هو أيضا أحد أوجه الخصوصية السعودية التي تتميز بها عن سائر الدول الإسلامية التي تحتفل مثلنا بهذين العيدين . والمشكلة ، أن القطاع الحكومي لا زال هو القطاع الرئيس في دورة التنمية ، ويلعب دور المحرك والدافع والممول للقطاع الخاص . وبذلك ، فإن تعطيل القطاع الحكومي لأربعة أسابيع في هذين العيدين يشكل عبئا كبيرا على مصالح المواطنين وشركات القطاع الخاص ، إذ تتوقف فيها كافة الخدمات الحكومية ، ويتعطل فيها صرف مستحقات المقاولين والموردين . لا أدري كيف يمكن أن تتوقف البنوك والمؤسسات المالية عن العمل لأسبوع كامل أو يزيد ، وكيف يمكن أن تؤجل مصالح الناس ومعاملاتهم في دوائر الأجهزة الحكومية لمثل هذه المدد الطويلة . كل الأجهزة الحكومية ودوائر التنمية هي في الحقيقة ثغور من ثغور العمل ، لا تقل أهمية عن ثغور الدفاع عن الوطن ، فهل يتخيل أحد أن يتوقف العمل في أجهزة الدفاع وحراسة الحدود مثلا ولو ليوم واحد . ثم أن العالم اليوم أضحى قرية صغيرة ، وهناك الكثير من المعاملات التجارية وحتى الرسمية والحكومية تتم مع جهات عالمية ، وهذا الواقع يعمق مشكلة التواصل القائمة أصلا بسبب اختلاف أيام عطلة نهاية الأسبوع ليزيد الطين بلة ، ويعطل عجلة التنمية بمثل هذا التسويف والتطويل غير المبررين .
ثالث الأوجه يتعلق بقضية الإجازات بعمومها ، وأقصد هنا الإجازات السنوية للموظفين . وهذه أصلا حق مكتسب لكل موظف ليريح بدنه ويجدد نشاطه ويقضي شيئا من مصالحه وأموره الخاصة . ولست هنا لأتحدث عن طول مدة هذه الإجازات ، التي يبلغ معدلها ثلاثين يوما في السنة ، وتصل في بعض المؤسسات وبعض الدرجات الوظيفية إلى 45 يوما وربما تزيد ، مع أني أجدها مددا طويلة إذا أضفنا إليها مدد العطل الرسمية في الأعياد والمناسبات ، وخاصة إذا قارناها بمعدلات الإجازات التي يتم منحها في المؤسسات الحكومية والخاصة في كثير من الدول الأخرى ، التي لا يزيد معدل الإجازات السنوية فيها عن ثلاثة أسابيع في السنة . ولكني أود هنا أن أشير إلى ظاهرة تعطيل المصالح التي تصاحب مثل هذه الإجازات ، خاصة في ظل غياب الحس المؤسسي في العمل ، وسيطرة العمل الفردي خاصة في القطاعات الحكومية . فكم منا تعطلت مصالحه بسبب غياب موظف عن العمل ليتمتع بإجازته السنوية ، بعد أن أغلق درج مكتبه على ما لديه من معاملات ، وكم من قضايا في دوائر المحاكم الشرعية يتأخر النظر فيها لتمتع القضاة بإجازاتهم السنوية ، وكم من مطالبات مالية لمقاولين وموردين تعثرت وتعطلت لأن الموظف الفلاني في إجازة ، أو الممثل المالي في إجازة ، أو مدير الإدارة في إجازة . هذا الواقع يتطلب معالجة حاسمة ، ليس بالضرورة بوقف أو حتى تقليل مدد الإجازات ، بل بتطوير أنظمة وآليات تمنع الموظف من التمتع بإجازته السنوية قبل أن ينجز ما لديه من مهام ومعاملات ، أو على الأقل قبل أن يوكل بها أحدا من زملائه ، بما يضمن سلاسة سير العمل ومنع تعطيل المصالح .
آخر الأوجه هو قضية أشبعها النقاش دون حسم ، وهي قضية عطلة نهاية الأسبوع ، والحاجة الملحة إلى تعديلها لتكون يومي الجمعة والسبت بدلا من يومي الخميس والجمعة . وهي القضية التي أضعها ضمن مظاهر تعطيل المصالح ، بالنظر إلى الواقع الذي نعيشه جراء هذا الاختلاف عن كل دول العالم وحتى الإسلامي منها ، والذي يحدث فجوة زمنية كبيرة في التعاملات بين مؤسساتنا ومثيلاتها في الدول الأخرى . ولست أدري في الحقيقة لماذا تصبح مثل هذه القضية البديهية عقبة كأداء في مسيرة التنمية ، وموضوعا حساسا يستعصى حتى على الدراسة الجادة والقرار الحاسم .
خلاصة القول ، الوقت من ذهب ، ومسيرة التنمية وطموحات القيادة والشعب لا تحتمل التسويف والتعطيل والمماطلة . والوقت فوق ذلك أمانة كلنا محاسب عليها ، وعلينا أن نحشد طاقاتنا لاستثمار الوقت الاستثمار الأمثل ، مذكرا مرة أخرى بأن العمل كله عبادة إن أخلصنا النية لله عز وجل . والله عز وجل قال في محكم كتابه العزيز "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" ، فهل نحن مؤدون لهذه الأمانة وهذه المهمة ، مهمة الاستخلاف في الأرض ، على أكمل وجه ؟ .

أختم بتهنئة خالصة بحلول عيد الفطر المبارك ، وأدعو الله العلي القدير أن يعيده علينا وعلى أمتنا أعواما عديدة بالخير واليمن والبركات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق