بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

استراحات الطرق ، أعط القوس باريها


صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار زرع الأمل في تصريحه قبل عدة أسابيع حول خطة الهيئة لمعالجة وضع استراحات الطرق . هذا الوضع الذي أصبح يمثل نقطة سوداء في مسيرة التنمية ، من خلال المعاناة التي يعيشها المسافرون على الطرق بين مدن مملكتنا الحبيبة من تهالك وتدن في مستوى الاستراحات القائمة وخدماتها ونظافتها ، والذين يمثلون بحسب إفادة سموه حوالي 80% من إجمالي عدد المسافرين بين المدن . هذا الوضع المخزي كان موضوعا لكثير من المقالات والمناقشات والانتقادات لفترة طويلة ، حتى وجدت أخيرا الصدى المأمول في اهتمام هيئة السياحة وأمينها العام . والأمل الآن معقود بسموه لتحقيق هذا الوعد . ولكن ....

واقع استراحات الطرق ليس مختلفا عن واقع العديد من الخدمات في بلادنا . في رأيي أن المشكلة هي في ثقافة التطوير الفردي والتشغيل الذاتي التي تسم مجتمع الاستثمار بشكل عام ، والشواهد كثيرة وعديدة في مختلف قطاعات الخدمات في المملكة . لننظر مثلا إلى واقع الشقق المفروشة ، والخدمات الطبية ، والمدارس والمرافق التعليمية ، وغيرها الكثير . فمعظم تلك المرافق يتم تطويرها بمبادرات فردية ، يقوم فيها مالك المشروع بتولي دفة القيادة في كافة المراحل ، بدءا من الدراسة والتصميم ، ومرورا بالبناء والتشييد ، وانتهاء بالتشغيل والصيانة ، في تغييب ملحوظ لمساهمة الكيانات المتخصصة في تلك المراحل . لنأخذ أحد الأمثلة بالتحليل ، أحد المستثمرين يقرر الاستثمار في قطاع الشقق المفروشة ، فيبدأ المسيرة بشراء الأرض وفق معايير قد لا يكون من بينها ملاءمة الموقع لطبيعة النشاط ، ثم يضع تصورا لمكونات مشروعه باجتهادات شخصية بحتة ، وبعد ذلك يعين مكتبا استشاريا لتصميم المشروع وفق تلك التصورات ، ويفرض عليه ذوقه الخاص الذي قد لا يتناسب مع طبيعة النشاط وذوق شريحة المستخدمين المستهدفة ، ثم يعين مقاولا لبناء المشروع ، ويمارس إدارة ذاتية للبناء يقوم خلالها باختيار المواد وشرائها ذاتيا ، ويفرض تعديلاته وتغييراته أثناء البناء ، وينتهي بناتج يفتقر إلى أدنى مقومات الجودة ، ولا يحقق متطلبات التشغيل لذلك النشاط ، وبعدها يقوم السيد المستثمر بشراء الأثاث وتجهيزات المشروع بقراراته الشخصية ، ثم يقوم باستقدام عدد من العمالة لتشغيل المشروع ، دون أن يكون بالضرورة لديهم أية خبرات سابقة في هذا المجال ، ودون أن يكون لديه أية معايير أو أسس تشغيلية ، ويقوم المستثمر حينها بلعب دور المدير ، فيصرف المرتبات ويدير عمليات الشراء والحجز والصيانة وغيرها من المتطلبات التشغيلية بقدراته الشخصية ، ويكون الناتج واحدا من مشروعات مجمعات الشقق المفروشة التي نشهدها في مدننا ، بكل ما تفتقر إليه من كفاءة وجودة ومعايير تشغيلية . الأمر ذاته ينجر على بقية الأمثلة ، ومنها المراكز الطبية والمدارس واستراحات الطرق وحتى المساكن . المشكلة قد تكون أوقع أثرا في حال بعض المشروعات ، فالإدارة الذاتية لمرفق تعليمي ستؤثر بالضرورة على البيئة التعليمية وجودة العملية التربوية ، ومثل ذلك في المراكز الطبية التي تخضع للإدارة الذاتية ، ويكون فيها المالك هو المشغل والمدير . إن حل المشكلة يتطلب تغييرا في هذه الثقافة على كافة المستويات ، فالتخصص هو مفتاح نجاح الاستثمار ، على مبدأ أعط القوس باريها ، وهو في رأيي ما يمكن أن تؤسس هيئة السياحة نموذجا عمليا له في إطار اهتمامها بقضية استراحات الطرق ، وهو ما وضع سمو الأمين أصبعه عليه عبر إشارته إلى ضرورة تكليف شركات متخصصة بتشغيل الاستراحات بغض النظر عن مالكها . ولكن ، أين هي تلك الشركات المتخصصة ؟ . أتطلع إلى أن يكون في رؤية سموه وضع برنامج لتأسيس وتأهيل تلك الشركات لتكون جاهزة للعب الدور المأمول في الإدارة المتخصصة لتلك المرافق . وفي النتيجة ، فإن هذا التوجه يتطلب برنامجا طويل المدى يتخطى عمر السنتين التي حددها سمو الأمين . فالقضية تتطلب دراسة شمولية ومتعمقة لجوانب المشكلة ، وتضع خطة عملية مبرمجة لمعالجتها ، تتضمن تأسيس نماذج فعلية لما تتطلع إليه الهيئة في استراحات الطرق ، لتؤسس معيارا لهذا النشاط ، وتخلق إحساسا بالفرق في مستوى الخدمة يرتقي بمعايير المستخدمين والمطورين ، وتشيع ثقافة الجودة بين أفراد المجتمع .
أتطرق في الختام إلى نقطة حيوية ، فتصريح سمو أمين هيئة السياحة أشار إلى أن القضية أصبحت أيضا قضية أمنية ، وهو تقييم أصاب كبد الحقيقة . وأود هنا أن ألفت عناية سموه إلى أن إحدى مشكلات استراحات الطرق هي وقوعها في الغالب في مناطق نائية ، مما يجعلها عرضة لإشكالات أمنية كثيرة ، الأمر الذي يجعل من هذا النشاط نشاطا طاردا للاستثمار فيه ، ويثير المخاوف تجاهه من التعديات وحالات السطو . ويتطلب هذا الأمر تدعيم خطة الهيئة بمعالجة فاعلة للجانب الأمني فيها ، عبر ربط هذه الاستراحات بوسائل الاتصال المناسبة بالجهات الأمنية ، وتسخير التقنيات الملائمة لتوفير بيئة آمنة لمرتاديها والمستثمرين فيها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق