صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار زرع الأمل في تصريحه قبل عدة أسابيع حول خطة الهيئة لمعالجة وضع استراحات الطرق . هذا الوضع الذي أصبح يمثل نقطة سوداء في مسيرة التنمية ، من خلال المعاناة التي يعيشها المسافرون على الطرق بين مدن مملكتنا الحبيبة من تهالك وتدن في مستوى الاستراحات القائمة وخدماتها ونظافتها ، والذين يمثلون بحسب إفادة سموه حوالي 80% من إجمالي عدد المسافرين بين المدن . هذا الوضع المخزي كان موضوعا لكثير من المقالات والمناقشات والانتقادات لفترة طويلة ، حتى وجدت أخيرا الصدى المأمول في اهتمام هيئة السياحة وأمينها العام . والأمل الآن معقود بسموه لتحقيق هذا الوعد . ولكن ....
واقع استراحات الطرق ليس مختلفا عن واقع العديد من الخدمات في بلادنا . في رأيي أن المشكلة هي في ثقافة التطوير الفردي والتشغيل الذاتي التي تسم مجتمع الاستثمار بشكل عام ، والشواهد كثيرة وعديدة في مختلف قطاعات الخدمات في المملكة . لننظر مثلا إلى واقع الشقق المفروشة ، والخدمات الطبية ، والمدارس والمرافق التعليمية ، وغيرها الكثير . فمعظم تلك المرافق يتم تطويرها بمبادرات فردية ، يقوم فيها مالك المشروع بتولي دفة القيادة في كافة المراحل ، بدءا من الدراسة والتصميم ، ومرورا بالبناء والتشييد ، وانتهاء بالتشغيل والصيانة ، في تغييب ملحوظ لمساهمة الكيانات المتخصصة في تلك المراحل . لنأخذ أحد الأمثلة بالتحليل ، أحد المستثمرين يقرر الاستثمار في قطاع الشقق المفروشة ، فيبدأ المسيرة بشراء الأرض وفق معايير قد لا يكون من بينها ملاءمة الموقع لطبيعة النشاط ، ثم يضع تصورا لمكونات مشروعه باجتهادات شخصية بحتة ، وبعد ذلك يعين مكتبا استشاريا لتصميم المشروع وفق تلك التصورات ، ويفرض عليه ذوقه الخاص الذي قد لا يتناسب مع طبيعة النشاط وذوق شريحة المستخدمين المستهدفة ، ثم يعين مقاولا لبناء المشروع ، ويمارس إدارة ذاتية للبناء يقوم خلالها باختيار المواد وشرائها ذاتيا ، ويفرض تعديلاته وتغييراته أثناء البناء ، وينتهي بناتج يفتقر إلى أدنى مقومات الجودة ، ولا يحقق متطلبات التشغيل لذلك النشاط ، وبعدها يقوم السيد المستثمر بشراء الأثاث وتجهيزات المشروع بقراراته الشخصية ، ثم يقوم باستقدام عدد من العمالة لتشغيل المشروع ، دون أن يكون بالضرورة لديهم أية خبرات سابقة في هذا المجال ، ودون أن يكون لديه أية معايير أو أسس تشغيلية ، ويقوم المستثمر حينها بلعب دور المدير ، فيصرف المرتبات ويدير عمليات الشراء والحجز والصيانة وغيرها من المتطلبات التشغيلية بقدراته الشخصية ، ويكون الناتج واحدا من مشروعات مجمعات الشقق المفروشة التي نشهدها في مدننا ، بكل ما تفتقر إليه من كفاءة وجودة ومعايير تشغيلية . الأمر ذاته ينجر على بقية الأمثلة ، ومنها المراكز الطبية والمدارس واستراحات الطرق وحتى المساكن . المشكلة قد تكون أوقع أثرا في حال بعض المشروعات ، فالإدارة الذاتية لمرفق تعليمي ستؤثر بالضرورة على البيئة التعليمية وجودة العملية التربوية ، ومثل ذلك في المراكز الطبية التي تخضع للإدارة الذاتية ، ويكون فيها المالك هو المشغل والمدير . إن حل المشكلة يتطلب تغييرا في هذه الثقافة على كافة المستويات ، فالتخصص هو مفتاح نجاح الاستثمار ، على مبدأ أعط القوس باريها ، وهو في رأيي ما يمكن أن تؤسس هيئة السياحة نموذجا عمليا له في إطار اهتمامها بقضية استراحات الطرق ، وهو ما وضع سمو الأمين أصبعه عليه عبر إشارته إلى ضرورة تكليف شركات متخصصة بتشغيل الاستراحات بغض النظر عن مالكها . ولكن ، أين هي تلك الشركات المتخصصة ؟ . أتطلع إلى أن يكون في رؤية سموه وضع برنامج لتأسيس وتأهيل تلك الشركات لتكون جاهزة للعب الدور المأمول في الإدارة المتخصصة لتلك المرافق . وفي النتيجة ، فإن هذا التوجه يتطلب برنامجا طويل المدى يتخطى عمر السنتين التي حددها سمو الأمين . فالقضية تتطلب دراسة شمولية ومتعمقة لجوانب المشكلة ، وتضع خطة عملية مبرمجة لمعالجتها ، تتضمن تأسيس نماذج فعلية لما تتطلع إليه الهيئة في استراحات الطرق ، لتؤسس معيارا لهذا النشاط ، وتخلق إحساسا بالفرق في مستوى الخدمة يرتقي بمعايير المستخدمين والمطورين ، وتشيع ثقافة الجودة بين أفراد المجتمع .
أتطرق في الختام إلى نقطة حيوية ، فتصريح سمو أمين هيئة السياحة أشار إلى أن القضية أصبحت أيضا قضية أمنية ، وهو تقييم أصاب كبد الحقيقة . وأود هنا أن ألفت عناية سموه إلى أن إحدى مشكلات استراحات الطرق هي وقوعها في الغالب في مناطق نائية ، مما يجعلها عرضة لإشكالات أمنية كثيرة ، الأمر الذي يجعل من هذا النشاط نشاطا طاردا للاستثمار فيه ، ويثير المخاوف تجاهه من التعديات وحالات السطو . ويتطلب هذا الأمر تدعيم خطة الهيئة بمعالجة فاعلة للجانب الأمني فيها ، عبر ربط هذه الاستراحات بوسائل الاتصال المناسبة بالجهات الأمنية ، وتسخير التقنيات الملائمة لتوفير بيئة آمنة لمرتاديها والمستثمرين فيها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق