يشهد السوق العقاري في المملكة مواقف متناقضة من تقييم أثر الأزمة المالية العالمية على السوق العقاري السعودي ، خاصة أن صلب هذه الأزمة هو الرهن العقاري ، الأمر الذي أثار كثيرا من التساؤلات والمخاوف من تبعات تفعيل نظام الرهن العقاري في المملكة ، خاصة في ظل تأخر صدور النظام من مجلس الوزراء بعد اعتماده من مجلس الشورى خلال الفترة القريبة الماضية . ويعرض هذا المقال وجهة نظر موضوعية حول السوق العقاري عامة وسوق الإسكان بوجه خاص ، محاولا عرض اتجاهات الحلول الممكنة للتعامل مع واقع السوق .
من المعلوم أن نظام الرهن العقاري يمثل العمود الفقري لدورة التمويل العقاري ، إذ يمكن الرهن العقاري شركات التمويل العقاري من تسنيد عمليات التمويل وإعادة تمويلها بما يضمن تدوير رؤوس أموال هذه الشركات واستمرار قدرتها على تقديم القروض التمويلية . وفي غياب نظام الرهن العقاري فإن عمليات التسنيد وإعادة التمويل تصبح غير ممكنة ، وتتوقف بذلك إمكانات التمويل عند رؤوس أموال هذه الشركات التي مهما عظمت فهي قاصرة أمام حجم التمويل اللازم لدعم القدرات الشرائية لراغبي الشراء ، خاصة بالنظر إلى حجم الطلب الهائل على الوحدات السكنية الذي يقدر بحوالي 200,000 وحدة سكنية في السنة للسنوات العشرة القادمة . وقد كان هذا النظام هو أساس عمليات التمويل العقاري في السوق الأمريكي والعالمي ، وهو ما خلق المخاوف القائمة من هذا النظام في حال اعتماد تطبيقه في السوق السعودي نتيجة للانهيارات التي شهدها السوق العقاري الأمريكي ، والتي جرت إلى الأزمة المالية التي يشهدها العالم اليوم . والحقيقة أن المشكلة لم تكن في نظام التمويل العقاري المعتمد على الرهن العقاري ، ولكن كانت المشكلة في حجم التساهل في المعايير الإئتمانية للإقراض ، والمبالغة في تقييم الوحدات العقارية الممولة . وعليه ، فإن ما يحتاجه السوق السعودي في الحقيقة هو وضع الأسس التي تمنع نشوء الأسباب الحقيقية لمثل هذا الانهيار وليس في تأخير تطبيق نظام الرهن العقاري . وفي رأيي ، فإن المحور الأساس لمعالجة هذه المشكلة يكمن في معالجة المسببات التي تؤدي إلى زيادة أسعار الوحدات العقارية وتضخمها دون مبرر حقيقي ، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة المخاطر الناشئة عن تمويل هذه الوحدات . وعليه فإنه من الضروري العمل على فهم المسببات الحقيقية لتضخم أسعار العقار ، وخاصة العقارات السكنية ، ووضع الحلول اللازمة لهذا التضخم . وأعرض فيما يلي عددا من المحاور التي يمكن أن تشكل أساسا في هذا التوجه .
إن ممارسات التقييم العقاري في المملكة تفتقر إلى أبسط الأسس المهنية والاحترافية العالمية في هذا المجال . فعمليات التقييم تعتمد على استخدام وسائل جزافية لتحديد قيمة العقار دون اعتبار أية معايير هندسية أو تخطيطية في التقييم . والحقيقة أن جل المنتجات العقارية في المملكة تفتقر إلى أبسط معايير الجودة والتوثيق التي تدعم تحديد قيمة حقيقية لهذه العقارات . فمعظم الوحدات السكنية تم بناؤها بجهود التطوير الفردي التي رسخها نظام منح الأراضي وقروض صندوق التنمية العقاري ، وهي الثقافة التي أنتجت وحدات سكنية متهالكة تفتقر إلى أدنى معايير الجودة والتوثيق بما يحفظ قيمة الوحدة . وليس أدل على ذلك من ظاهرة انخفاض قيمة الوحدات السكنية عبر الزمن مقارنة ببقية المنتجات العقارية ، حتى تصبح قيمة المنزل بعد عدد من السنوات مساوية لقيمة الأرض في ذات الموقع . ويتطلب هذ ا الأمر النهوض بمستويات الممارسة الهندسية لبناء الوحدات السكنية ، وتشجيع حهود التطوير الشامل من قبل كيانات متخصصة عوضا عن التطوير الفردي ، ووضع أسس للتقييم العقاري تعتمد على اعتبار أسس الفحص الهندسي والتقييم الحقيقي لمكونات الوحدة ، وإلزام المطورين والمقاولين بتطبيق المخططات التصميمية لمشروعات التطوير دون مخالفة .
لقد كان نظام منح الأراضي الذي تبنته الدولة رافدا هاما لتنمية القطاع العقاري والسكني في الفترة الماضية . ولكن مشكلة هذا النظام هي في ترسيخه لممارسات التطوير الفردي مع كل ما تحمله هذه الممارسات من إهدار للجودة والقيمة والوقت . كما أن هذا النظام ساهم في خلق ثقافة جعلت من الأراضي سواء الخام أو المطورة سلعا تجارية يتم تداولها لغرض الاستثمار والمضاربة ، وهو ما يسهم في تضخم قيم الأراضي قبل بنائها عبر مرورها بدورات متعددة من البيع والشراء وبناء الربح عبر التداول ، ويسهم بذلك في تضخم قيمة المنتجات العقارية المطورة . وفي رأيي ، فإنه من الضروري العمل على السيطرة على مثل هذه الممارسات ، عبر تعليق نظام منح الأراضي ، أو على الأقل ربط المنح باشتراط التطوير الحقيقي عبر البناء خلال فترة زمنية محددة يتم بعدها سحب المنحة في حال عدم البناء عليها ، على غرار ما هو معمول به في عدد من دول الخليج ، وذلك لتشجيع بناء قطع الأراضي ومنع تداولها لغرض المتاجرة والربح .
وفي ذات الإطار ، فإن واقع مدننا في المملكة يشهد مساحات شاسعة من البنية العمرانية للمدن في شكل أراض فضاء . وهي أراض مملوكة لأفراد إما عبر منحهم إياها من الدولة أو مشتراة لغرض الاستثمار . وتشكل هذه الأراضي الفضاء عبئا كبيرا على تنمية المدن ، إذ تقوم الدولة بتوفير الخدمات لها دون مردود ، فيما تتجاوز التنمية هذه المساحات إلى حدود أوسع لأراض يتم تطويرها لاستيعاب الحاجة ، بما يشكل عبئا إضافيا على الدولة لتوفير الخدمات . كما أن إبقاء هذه الأراضي دون تطوير يؤدي إلى زيادة قيمها السوقية دون جهد حقيقي أو قيمة مضافة ، بما يؤدي في النتيجة إلى تضخم عام في قيم العقارات والأراضي . وفي رأيي ، فإن الوقت قد حان لتبني جهد موجه لتطوير الأراضي الفضاء داخل المدن ، لزيادة مخزون الأراضي القابلة للبناء ، وبالتالي الموازنة بين العرض والطلب بما يسهم في الحد من زيادة أسعار العقارات ، وذلك عبر فرض رسوم على هذه الأراضي مقابل توفير الخدمات من الدولة لها ، ناهيك عن تحصيل الزكاة الشرعية على هذه الأراضي ، وأية تشريعات داعمة يمكن تبنيها في هذا الإطار ، مثل منع تداول الأراضي الخام قبل تطويرها ، بما يؤدي بالمحصلة إلى تشجيع تطوير هذه الأراضي الفضاء ، ومنع تجميدها بكل ما فيه من آثار سلبية على التنمية العمرانية وتضخم أسعار العقارات .
إن نظام الرهن العقاري ومنظومة التمويل العقاري لن تؤدي إلى تحقيق أهدافها في توفير المساكن للمواطنين دون وجود منتجات عقارية سكنية تحقق معايير هذا النظام . فالتمويل العقاري يعتمد الوحدة العقارية أساسا لضمان التمويل عبر تطبيق الرهن العقاري ، وذلك خلافا للتمويل التجاري المطبق حاليا لدى المؤسسات البنكية ، والذي يعتمد مصادر دخل الفرد كضمان لسداد قيمة التمويل . والحقيقة أن المنتجات العقارية السكنية المتوفرة في السوق السعودي حاليا لا تحقق معايير التمويل العقاري ، إذ أن معظم هذه المنتجات تم تطويرها بجهد فردي بكل ما فيه من هدر للجهد والجودة والوقت ،علاوة على غياب أسس التقييم الهندسي الذي أشرت إليه في مكان سابق من هذا المقال . وفي النتيجة ، فإن الواقع يفيد بأن نظام التمويل العقاري لن يجد منتجات عقارية يقوم بتمويلها
في ظل غياب مبادرات التطوير الشامل والاحترافي للوحدات السكنية . والحقيقة أن التطوير الشامل لن ينتج فقط وحدات سكنية تحقق معايير التمويل العقاري ، ولكنه سيؤدي أيضا إلى تحقيق وفر كبير في تكاليف ووقت البناء ، عبر تطبيق أساسيات إدارة التطوير والإنشاء والشراء الشامل لمواد البناء . وما يحتاجه السوق السعودي في هذا الإطار هو نشوء كيانات متخصصة في التطوير العقاري الشامل ، تقوم بالعمل على بناء وحدات سكنية وفق معايير شركات التمويل العقاري ، مشيرا إلى أن مجمل ما تسهم به الشركات القائمة العاملة في هذا المجال لا يتجاوز 2% من حجم الطلب على الوحدات السكنية القابلة للتمويل لدى شركات التمويل العقاري . كما أن تفعيل التوجهات التي أشرت إليها فيما سبق من هذا المقال سيسهم في توفير مساحات شاسعة من الأراضي لهذه الشركات وبأسعار معقولة لتقوم ببناء وحدات سكنية عليها .
أختم هذا الطرح بالحديث عن صندوق التنمية العقاري ، فالصندوق قام خلال الفترة الماضية بأداء دور حيوي في توفير التمويل اللازم لبناء عدد كبير من الوحدات السكنية ، ولكنه أسهم في ذات الوقت بترسيخ ثقافة التطوير الفردي للوحدات السكنية إلى جانب منح الأراضي . وقد انحسر دور الصندوق في تحقيق التوازن في بناء الوحدات السكنية بين العرض والطلب ، نتيجة لقصور قيمة التمويل مقابل تضخم تكاليف البناء ، والقائمة الطويلة من طلاب قرض التمويل التي وصلت بمدة الانتظار إلى 40 سنة ، والتضخم الحاصل في أسعار الأراضي نتيجة للعوامل التي أشرت إليها فيما سبق . وفي رأيي ، فإنه من الضروري العمل على إعادة هيكلة صندوق التنمية العقاري لأداء دور مغاير في عجلة التنمية العقارية ، عبر تحويله إلى بنك للإسكان يقوم توفير التمويل اللازم لشركات التطوير العقاري لبناء الوحدات السكنية ، وضمان المشترين لدى شركات التمويل العقاري ، والعديد من الأدوار التي يمكن أن يؤديها مثل هذا البنك في دعم عجلة التنمية العقارية .
وفي الختام ، فإن مثل هذه الطروحات حول واقع السوق العقاري في المملكة تتطلب تناولا جادا لدراسة جوانب المشكلة ، والعمل على وضع الحلول الشاملة والمتكاملة لمعالجتها . وأود أن أجدد في هذا المقام النداء لهيئة الإسكان لأداء دور فاعل في هذا الإطار ، عوضا عن الانشغال بتنفيذ مشاريع لبناء المساكن يمكن أن يقوم بها جهات أخرى عامة وخاصة . فالمشكلة تتفاقم والواقع يزداد سوءا ، والوطن في حاجة ملحة لجهد مخلص لمعالجة هذه المشكلة ، داعيا إلى التسريع بإطلاق نظام الرهن العقاري ، الذي سيؤدي بالنتيجة إلى دفع عجلة التمويل العقاري وبالتالي عجلة التنمية العقارية في وطننا الحبيب .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق