بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، ١٣ يناير ٢٠١١

مأسسة العمل المهني


لست متأكدا من صحة هذا المصطلح من الناحية اللغوية ، وأتطلع إلى مساهمة من المختصين في شئون اللغة العربية لدراسته والخروج بالصيغة الملائمة والصحيحة لما يمثله من معاني ، خاصة أن المحتوى العام لهذا المفهوم لا يختص فقط بالعمل الهندسي أو المهني ، وإنما يتعلق بكافة جوانب العمل التي تتطلب فكرا مؤسسيا وممارسة منظمة تحقق النهوض المأمول والتطور المرتقب .

سوف أركز في هذا الطرح على مجال العمل المهني في المملكة ، وهو المجال الذي تتم ممارسته وفق نظم إدارة المهن الحرة بوزارة التجارة ، والتي تشمل بشكل أساسي المهن الهندسية والقانونية والمحاسبية والاقتصادية ، علاوة على عدد من المجالات الأخرى المستجدة حديثا . وبالرغم من انحصار علاقتي المهنية بالعمل الهندسي دون سواه من المجالات التي أشرت إليها ، إلا أن محتوى الطرح يتعلق بشكل عام بكافة مجالات العمل المهني ، كونها تنضوي تحت ذات التنظيمات والقوانين التي تتعلق بمجالات العمل المهني المختلفة .

إن السمة العامة التي تطبع القوانين التي تنظم مجالات العمل المهني في المملكة هي ربط ممارسة كل مهنة من تلك المهن بالفرد الحامل لترخيص ممارسة المهنة ، وذلك - حسب فهمي المتواضع - من منطلق ربط المسئولية المهنية لنواتج العمل الذي يمارسه حامل الترخيص به مباشرة . وبناء على ذلك ، فإن أي كيان مهني يتم تأسيسه لممارسة العمل المهني بموجب ترخيص مزاولة المهنة الصادر للفرد المهني يكون مرتبطا بهذا الفرد الحامل للترخيص ، وبطبيعة الحال ، يزول بانعدام قدرة الفرد على ممارسة المهنة ، سواء بالوفاة ، أو بالتقاعد ، أو بالإعاقة ، أو حتى بتبدل رغبة وحماس هذا الفرد لممارسة هذا العمل . ويفترض هذا التنظيم بطبيعة الحال قيام الأفراد حاملي هذه التراخيص بممارسة العمل بأنفسهم ممارسة فعلية ، دون أن يفتح المجال لدراسة ما يشهده الواقع من ممارسات فاضحة للتستر وتأجير التراخيص ومكاتب الشنطة والأختام وغير ذلك من الممارسات التي تهوي في الواقع بجودة العمل المهني إلى الدرك الأسفل . والمشكلة الحقيقية تمكن في أن النظام يعامل التكتلات والشركات المهنية وفق ذات المفهوم ، حيث يلزم مثل هذه التكتلات بالعمل وفق نظام الشركات التضامنية فقط ، أي أنه يكرس مفهوم ربط العمل المهني بالفرد ، الأمر الذي يحد من إمكانية الخروج بحل ملائم لهذه المعضلة ، ويمنع نشوء مؤسسات مهنية تعمل وفق منظور تجاري طويل الأمد . إن الصبغة الفردية التي يعيشها العمل المهني في بلادنا تفرض على واقع العمل إشكالات كبيرة وخطيرة ، سواء على مستوى نوعية وجودة العمل المهني ، أو على مستوى تطور وتركم الخبرات ، أو على مستوى ضياع المسئوليات والحقوق ، أو على مستوى مواجهة التحدي الأكبر القادم في الأفق جراء فتح الباب للمؤسسات المهنية من كل حدب وصوب للعمل في المملكة كنتيجة طبيعية لدخول منظمة التجارة العالمية . وسوف أسعى فيما يلي لحصر وعرض بعض هذه الإشكالات للتعرف على مدى خطورة المشكلة .

الحقيقة التي لا يمكن أن يجادل فيها أحد هي أن الفرد زائل مهما طال عمره . هذه الحقيقة تجعل من الأساس الذي يقوم عليه التنظيم أساسا واهيا وغير ذي جدوى . إذ أن المسئولية المرتبطة بالفرد – مهما طال عمره – هي مسئولية زائلة لا محالة . تخيل أن مكتبا هندسيا قام بتصميم مبنى لإحدى الجهات ، ولقي هذا المهندس وجه ربه بعد تنفيذ المبنى الذي صممه وتحمل مسئولية ضمانه التعاقدية لمدة عشر سنوات وفق نظام الأشغال ، من سيتحمل هذه المسئولية بعد وفاة المهندس صاحب الترخيص ؟ هل هم الورثة الذي ليس لهم في الأمر ناقة ولا جمل ، أو المالك الذي وضع ثقته في هذا المكتب ، أو من ؟ ربما لا أحد في الحقيقة . هذه الحالة هي حالة اعتيادية وقابلة للحدوث ، ويمكن أن نضم إليها كثيرا من الحالات التي تضيع فيها المسئولية ، كأن يغلق هذا المهندس مكتبه ويتجه لتجارة الملابس مثلا ، أو أن يكتب الله له رزقا في مكان آخر من هذا العالم ، وغيرها الكثير من مثل تلك الحالات . هب أن هذا المهندس كتب الله له ولمكتبه طول العمر ، فمن أين للمسكين أن يتحمل مثل هذه المسئولية الجسيمة وهو هذا المهندس المسكين صاحب المكتب المتواضع الذي يقدم خدماته مقابل أتعاب زهيدة تكفي بالكاد لسداد رواتب حفنة من الرسامين والمهندسين الذين يضمهم هذا الكيان البسيط ؟ . في هذه الحالة سيتم القبض على المهندس المسكين ويودع السجن إلى جانب من تضمهم السجون من حملة الديون والمسئوليات التي يعجزون عن تأديتها لأصحابها ، ويكون المسكين الحقيقي في النهاية هو صاحب المنشأة الذي وضع ثقته بهذا المكتب . لنتصور في المقابل أن هذا الكيان هو كيان ذو صبغة تجارية غير مرتبط بأي فرد ، يتمتع بكينونة وشخصية اعتبارية مستقلة ، ويخضع للرقابة والمتابعة من قبل مؤسسات الدولة . سوف يتمكن صاحب المشروع هنا من تحصيل حقوقه ، وسوف يجد من يحمله المسئولية متى ما ظهر الخلل . الأجمل من ذلك ، أن تلك المنشأة سوف تكون أكثر حرصا على جودة العمل والخدمة التي تقدمها جراء إحساسها وفهمها لهذه المسئولية ، وربما نرتقي درجة في الأمل ، فنتطلع إلى فرض نظام للتأمين المهني ، يحمي حقوق المطورين تجاه الأخطاء المهنية ، ويحمي المهندسين والمهنيين من احتمالات الخطأ البشري وممارسات المقاولين وغش العمال وغير ذلك الكثير .

إن العمل الفردي يختلف عن العمل المؤسسي في أوجه عديدة ، قد يكون أهمها في فهمي البسيط هو ما يحققه العمل المؤسسي من إحساس بالاستقرار وترسيخ فكر التنمية والتطور والعمل طويل الأمد بدلا من العمل المبني على منظور قصير الأمد يسعى للربح السريع من خلال عمل متدني الجودة منخفض التكاليف . يحز في نفسي وأنا أنظر إلى مناخ العمل المهني في بلادنا أن أرى معظم المؤسسات المهنية تفتقر إلى أدنى معايير وأسس النجاح والتأهيل للعمل في سوق هو الأكبر في المنطقة . ويحز في نفسي أكثر أن أرى بعض المؤسسات التي تحرص على احترام ذاتها قبل احترام الغير ، وتسعى إلى تقديم مستوى جيد من العمل المهني ، وأتخيل أنها انمحت بقدرة قادر من خريطة العمل المهني ، وزالت  من قوائم التأهيل ودعوات أصحاب العمل ، بسبب زوال صاحب الترخيص لأي سبب من الأسباب .

كل ما أود طرحه في هذا المقام هو دعوة صادقة لكل من يهمه أمر هذا الوطن أن تجتمع الأكف والأصوات للدعوة للعمل على مراجعة وتطوير التشريعات والقوانين التي تنظم العمل الهندسي على وجه الخصوص ، والعمل المهني على وجه العموم ، وذلك للسماح بتأسيس شركات مهنية تعمل على أسس تجارية ، يملكها مساهمون ليسو بالضرورة من ممارسي المهنة ، لديهم القدرة على توفير التمويل اللازم لتوفير التجهيزات التقنية وتدريب وتأهيل الكفاءات الفنية لأداء مستوى راق من العمل المهني . هذا الأمل لا يتعارض بالضرورة مع ما تهدف إليه  النظم الراهنة من أهداف مشروعة . وببساطة شديدة ، فإن المسئولية سوف تكون مرتبطة بهذا الكيان ، الذي سوف يقوم بدوره بتوفير غطاء تأميني يحميه ، ويضع نظاما لتحميل المسئولية للمهندس أو المهني الذي قام بالعمل فعلا . ومن جهة أخرى ، يمكن أن يبقى العمل المهني مرتبطا بالفرد الذي يرغب بالمحافظة على كيانه البسيط ذي التخصص الواحد الذي يرتبط بالتخصص الفعلي لصاحب الترخيص . أعتقد أن هذا الأمر هو من الأهمية بمكان لينال حظه من الدراسة والتمحيص للخروج برؤية ملائمة لتطوير الحل الملائم . وأتطلع إلى أن تكون الهيئة السعودية للمهندسين هي المبادرة في هذا المجال ، بالنظر إلى حراجة الأمر بالنسبة إلى العمل الهندسي على وجه الخصوص ، وما يتسم به العمل الهندسي خاصة من اختلاط التخصصات وبالتالي اختلاط المسئوليات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق